محمد متولي الشعراوي

9294

تفسير الشعراوي

ثم يذكر الحق تبارك وتعالى العِلَّة في إخراج النبات : { كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ } ( كُلُوا ) : تدل على أن الخالق عَزَّ وَجَلَّ خلق الحياة ، وخلق مقومات الحياة ، وأولها القوت من الطعام والشراب ، وهذه المقوّمات تناسبت فيها الملكية مع الأهمية ، فالقوت أولاً ، ثم الماء ، ثم الهواء . فأنت تحتاج الطعام وتستطيع أن تصبر عليه شهراً على قَدْر ما يختزن في جسمك من شحم ولحم ، يتغذّى منها الجسم في حالة فقد الطعام ؛ لأنك حين تأكل تستهلك جزءاً من الطعام في حركتك ، ثم يُختزن الباقي في صورة دهون هي مخزن الغذاء في الجسم ، فإذا ما نفد الدُّهْن امتصَّ الجسم غذاءه من اللحم ، ثم من العظم ، فهو آخر مخازن الغذاء في جسم الإنسان . لذلك لما أراد سيدنا زكريا عليه السلام أن يعبر عن ضعفه ، قال : { رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي } [ مريم : 4 ] . لذلك تجد كثيراً ما يُتملّك الغذاء ؛ لأنك تصبر عليه مدة طويلة تُمكِّنك من الاحتيال في طلبه ، أو تُمكِّن غيرك من مساعدتك حين يعلم أنك محصور جوعان . أما الماء فلا تصبر عليه أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة ؛ لذلك قليلاً ما يُملِّك الماء لأحد . أما الهواء فلا تصبر عليه أكثر من نفَس واحد ، فمن رحمة الله بعباده ألاَّ يُملِّك الهواء لأحد ، وإلاّ لو غضب عليك صاحب الهواء ،